الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

284

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واستهزائهم . قال المفسّرون : إنّ الذي أحيل عليه هنا هو قوله تعالى في سورة [ 68 ] الأنعام : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ لأنّ شأن الكافرين يسري إلى الذين يتخذونهم أولياء ، والظاهر أنّ الذي أحال اللّه عليه هو ما تكرّر في القرآن من قبل نزول هذه السورة نحو قوله في البقرة : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ممّا حصل من مجموعه تقرر هذا المعنى . و ( أن ) في قوله : أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ تفسيرية ، لأنّ ( نزّل ) تضمّن معنى الكلام دون حروف القول ، إذ لم يقصد حكاية لفظ ( ما نزّل ) بل حاصل معناه . وجعلها بعضهم مخفّفة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوفا ، وهو بعيد . وإسناد الفعلين : يُكْفَرُ و يُسْتَهْزَأُ إلى المجهول لتتأتّى ، بحذف الفاعل ، صلاحية إسناد الفعلين إلى الكافرين والمنافقين . وفيه إيماء إلى أنّ المنافقين يركنون إلى المشركين واليهود لأنّهم يكفرون بالآيات ويستهزءون ، فتنثلج لذلك نفوس المنافقين ، لأنّ المنافقين لا يستطيعون أن يتظاهروا بذلك للمسلمين فيشفي غليلهم أن يسمع المسلمون ذلك من الكفّار . وقد جعل زمان كفرهم واستهزائهم هو زمن سماع المؤمنين آيات اللّه . والمقصود أنّه زمن نزول آيات اللّه أو قراءة آيات اللّه ، فعدل عن ذلك إلى سماع المؤمنين ، ليشير إلى عجيب تضادّ الحالين ، ففي حالة اتّصاف المنافقين بالكفر باللّه والهزل بآياته يتّصف المؤمنون بتلقّي آياته والإصغاء إليها وقصد الوعي لها والعمل بها . وأعقب ذلك بتفريع النهي عن مجالستهم في تلك الحالة حتّى ينتقلوا إلى غيرها ، لئلّا يتوسّل الشيطان بذلك إلى استضعاف حرص المؤمنين على سماع القرآن ، لأنّ للأخلاق عدوى ، وفي المثل « تعدي الصّحاح مبارك الجرب » . وهذا النهي يقتضي الأمر بمغادرة مجالسهم إذا خاضوا في الكفر بالآيات والاستهزاء بها . وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى : وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله : تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ [ الممتحنة : 1 ] . و ( حتّى ) حرف يعطف غاية الشيء عليه ، فالنهي عن القعود معهم غايته أم يكفّوا عن الخوض في الكفر بالآيات والاستهزاء بها .